كيف خسر PIF الرهان الأول على الذكاء الاصطناعي قبل أن يربح الرهان الثاني
صندوق الاستثمارات العامة تعلّم درسه بثمن باهظ من Vision Fund — والآن يعيد توجيه رأس المال نحو حيث لا يمكن أن يُفلس: البنية التحتية نفسها

في منتصف مارس ٢٠٢٤، جلس ياسر الرميّان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، أمام كاميرات مؤتمر FII Priority في ميامي، وقال جملة بدت عابرة للحاضرين الغربيين لكنها غيّرت كل شيء: "لن نكرر خطأ الاعتماد على مديري صناديق آخرين." لم يذكر SoftBank بالاسم. لم يكن مضطراً.
ماذا حدث
في فبراير ٢٠٢٦، أعلن صندوق الاستثمارات العامة (PIF) عن أكبر التزام منفرد في تاريخه بقطاع الذكاء الاصطناعي: ١٠٠ مليار دولار تُضخ على مدى أربع سنوات في بنية تحتية حاسوبية داخل المملكة، بالشراكة مع Nvidia وMicrosoft وG42 الإماراتية. المشروع، الذي يحمل اسم HUMAIN كامتداد لإعلان مايو ٢٠٢٥، يركّز على مراكز بيانات بسعة تتجاوز ١٫٩ جيجاواط، وشبكات تبريد صحراوي، واتفاقيات شراء رقائق H200 وB200 من Nvidia بأحجام غير مسبوقة خارج الولايات المتحدة والصين.
الأرقام المُعلنة، وفق تقرير Bloomberg في ١٣ فبراير ٢٠٢٦ نقلاً عن وثائق داخلية للصندوق، توزّع على ثلاث طبقات: ٦٠ مليار دولار للأرض والطاقة والمباني، ٢٥ مليار دولار لرقائق التدريب والاستدلال، و١٥ مليار دولار لاستقطاب فرق هندسية وتشغيلية. الشراكة مع Microsoft تشمل توطين نماذج Azure OpenAI في الرياض ضمن منطقة سحابية سيادية. والشراكة مع G42، التي كانت نفسها قد تلقّت ١٫٥ مليار دولار من Microsoft في أبريل ٢٠٢٤، تضع السعودية والإمارات في تحالف حاسوبي واحد لأول مرة بهذا الوضوح.
١١٫٥ مليار دولار شطبتها Vision Fund في صفقة واحدة — WeWork وحدها.
السياق: الرهان الأول الفاشل
لفهم لماذا يبدو هذا الإعلان مختلفاً، يجب العودة إلى أكتوبر ٢٠١٦. يومها التزم PIF بـ ٤٥ مليار دولار في Vision Fund الأول الذي أطلقه ماسايوشي سون، وأصبح أكبر مستثمر منفرد في أكبر صندوق تقنية في التاريخ. الرهان كان بسيطاً من حيث المبدأ: السعودية تحتاج عوائد ضخمة لتمويل رؤية ٢٠٣٠، وسون يعد بتلك العوائد عبر حصص كبيرة في شركات التقنية المبكّرة.
لم تسر الأمور كما خُطّط لها. في سبتمبر ٢٠١٩، سحبت WeWork طرحها العام بعد أن انخفض تقييمها من ٤٧ مليار دولار إلى نحو ٨ مليارات خلال أسابيع. كان PIF، عبر Vision Fund، مكشوفاً على الاستثمار بشكل غير مباشر لكن مكلف. حين أعلنت WeWork إفلاسها رسمياً في نوفمبر ٢٠٢٣، كانت الخسائر التراكمية التي شطبتها SoftBank على هذه الصفقة الواحدة تتجاوز ١١٫٥ مليار دولار، وفق ما أفصحت عنه التقارير ربع السنوية لـ SoftBank في ديسمبر ٢٠٢٣.
WeWork لم تكن استثناءً. Uber وDoorDash ودفعات مفتوحة على عشرات الشركات الأخرى تركت Vision Fund في نهاية ٢٠٢٢ بخسائر تشغيلية تجاوزت ٥٠ مليار دولار. تعافت المحفظة جزئياً مع طرح Arm في سبتمبر ٢٠٢٣ وارتفاع سهمها بنسبة فاقت ٢٠٠٪ خلال عام، لكن الدرس كان قد رسخ داخل الرياض: تفويض رأس المال لمدير خارجي، مهما كانت سمعته، يعني تفويض القرار. والقرار، في حالة Vision Fund، أنتج محفظة متقلّبة تعتمد على توقيت السوق أكثر مما تعتمد على جودة الأصول.
الفرق بين ٢٠١٦ و٢٠٢٦ ليس الأرقام — إنه بنية الرهان نفسها.
لماذا هذه المرة مختلفة
الاستثمار في Vision Fund كان استثماراً في أفكار. الاستثمار في HUMAIN هو استثمار في أصول. الفرق تقني أكثر مما يبدو.
مدير صندوق مخاطرة يشتري حصصاً في شركات ناشئة. قيمة الحصة ترتفع وتنخفض مع السوق، وحين يتوقف الرأسمال الخاص عن الدفع، تنهار التقييمات. أما مركز بيانات فيه ١٠٠٠ رقاقة H200 وخمسة ميجاواطات من الطاقة المُؤمّنة فلا يتأثر بمزاج السوق. يمكن إيجاره، وتأجير سعته الحاسوبية، وبيعه كأصل عيني حتى في أسوأ السيناريوهات. هذا ما يسميه المحللون في FT في مقال ٨ يناير ٢٠٢٦ "التحول من beta إلى real assets"، وهو التحول الذي يبدو أن إدارة PIF استوعبته بعد خسائر Vision Fund.
الاعتبار الثاني هو السيادة. رؤية ٢٠٣٠، التي أُعلنت رسمياً في أبريل ٢٠١٦ كخريطة اقتصادية، تضع هدفاً محدداً: أن تكون السعودية ضمن أعلى خمس دول في العالم من حيث الجاهزية الرقمية بحلول ٢٠٣٠. بنية تحتية للذكاء الاصطناعي موجودة داخل حدود المملكة تعني: زمن استجابة أقل للتطبيقات الحكومية، سيادة على البيانات الصحية والمالية الحساسة، وقدرة على تدريب نماذج عربية بدون تصدير البيانات إلى خوادم في فيرجينيا أو أيرلندا. هذا ما لا يمكن أن يشتريه PIF عبر Vision Fund حتى لو استثمر ١٠٠ ضعف ذلك المبلغ في شركات أمريكية.
الاعتبار الثالث هو التوقيت السياسي. قانون CHIPS Act الأمريكي، الذي وقّعه الرئيس بايدن في أغسطس ٢٠٢٢ بقيمة ٥٢ مليار دولار، والجولة الثالثة من صندوق الاستثمار الصيني الكبير (Big Fund III) بقيمة ٤٧ مليار دولار في مايو ٢٠٢٤، حدّدا سقف اللعبة: الدول الآن تستثمر مباشرة في قدراتها الحاسوبية، ولا تتركها للسوق. PIF بمبلغ ١٠٠ مليار دولار يرسل إشارة مزدوجة: المملكة ليست مجرد ممول، بل لاعب سيادي مستقل، وليست تابعة لا للواشنطن ولا لبكين.
هناك فرق جوهري آخر نادراً ما يُذكر في التغطية الإنجليزية: التحكم في المدخلات الفيزيائية. مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الحديثة تستهلك طاقة هائلة — دراسة Lawrence Berkeley الصادرة في ديسمبر ٢٠٢٤ قدّرت أن مراكز hyperscale العاملة على تدريب نماذج كبيرة تستهلك بين ١٠٠ و٥٠٠ ميجاواط لكل منشأة. في الولايات المتحدة، يواجه Microsoft وMeta وAmazon قيوداً حقيقية على توصيل هذه القدرة الكهربائية من الشبكة العامة، مع قوائم انتظار تمتد لسنوات في ولايات مثل فرجينيا وأريزونا. السعودية، بالمقابل، لديها فائض كهربائي، بنية طاقة مركزية، وصلاحية سيادية لبناء محطات توليد جديدة في أشهر لا في سنوات. هذا عامل تنافسي لا يستطيع PIF شراؤه بأي مبلغ من الأسواق الخاصة.
ثم يأتي عامل الفاقة الحرارية. التبريد في المناخ الصحراوي تحدٍّ مكلف نظرياً، لكن الهندسة الحديثة — تحديداً أنظمة direct-to-chip liquid cooling التي تبنتها Meta في مراكزها الجديدة منذ ٢٠٢٤ — تقلّل الحساسية لدرجة الحرارة الخارجية بشكل حاد. شركة Aramco، بخبرتها الممتدة خمسين عاماً في إدارة عمليات صناعية ضخمة تحت درجات حرارة ٥٠ مئوية، تقدّم دعماً تشغيلياً لا تملكه كثير من الشركات الأمريكية الجديدة في هذا المجال. هذه ميزة صامتة لكنها جوهرية: البنية التحتية السعودية لن تُبنى من الصفر، بل على كتف عقود من الكفاءات الهندسية في إدارة المنشآت الحرجة.
ماذا نراقب
الأرقام المُعلنة سهلة. التنفيذ هو المسألة الصعبة. ثلاث مؤشرات محددة ستحسم ما إذا كان هذا الرهان الثاني ناجحاً أم أنه سيسير على خطى Vision Fund.
الأول: جدول تسليم مرحلة NEOM الأولى. وفق بيان PIF في فبراير ٢٠٢٦، يجب أن تكون أول مرحلة من مراكز بيانات NEOM بسعة ٤٠٠ ميجاواط جاهزة للتشغيل التجريبي في الربع الرابع من ٢٠٢٧. أي تأخير يتجاوز ستة أشهر عن هذا التاريخ سيكون إشارة على أن عقبات البنية التحتية (الطاقة، التبريد، سلاسل التوريد) أكبر مما قدّر الصندوق.
الثاني: معدل تشغيل الرقائق. شراء ١٠٠ ألف رقاقة H200 شيء، وتشغيلها بكفاءة اقتصادية شيء آخر. معدل الاستخدام (utilization rate) لمراكز البيانات السعودية سيحدد ما إذا كانت هذه أصول منتجة أم أصول مدفونة. المعيار العالمي الحالي لمراكز AI hyperscale هو ٦٥٪–٧٥٪. أي رقم أقل من ٥٠٪ يعني أن الطلب المحلي والإقليمي غير كافٍ، وأن العائد على الاستثمار سيتأخر بسنوات.
الثالث: قدرة الاستقطاب. ١٥ مليار دولار للفرق الهندسية والتشغيلية هو مبلغ طموح، لكن المنطقة تتنافس على نفس المجموعة الصغيرة من مهندسي البنية التحتية المتخصصين في GPU clusters، وأبوظبي ودبي لا تقفان مكتوفتيّ اليدين. إذا لم ينجح PIF في استقطاب ما لا يقل عن ٣٠٠ مهندس رئيسي من الطبقة الأولى (مخرّجو Nvidia وMeta وخبراء Supercomputing) خلال ٢٠٢٦–٢٠٢٧، فإن البنية التحتية ستُبنى لكن لن تُشغّل بالمستوى المطلوب.
الرابع: العلاقة مع Nvidia. اتفاقية التوريد التي أعلنتها HUMAIN مع Nvidia، وفق Reuters في ١٦ فبراير ٢٠٢٦، تشمل حصة أولوية على رقائق B200 خلال ٢٠٢٦–٢٠٢٧. لكن هذه الحصة مشروطة بموافقات تصدير من وزارة التجارة الأمريكية، خاصة بعد توسعة قائمة التحكم في التصدير في أكتوبر ٢٠٢٣ ثم ديسمبر ٢٠٢٥. إذا صدرت قواعد جديدة من واشنطن تُقيّد تصدير رقائق الطبقة العليا إلى دول الخليج — وهو سيناريو ليس مستبعداً بالنظر إلى التوترات الحالية حول التعاون الصيني-الخليجي — فإن كل خطة PIF تتعرض لتأخير قسري. الصندوق مكشوف على قرار سياسي في بلد آخر، وهذه هي نقطة الضعف الوحيدة في بنية الرهان الجديد.
الخلاصة
الرهان الثاني لصندوق الاستثمارات العامة على الذكاء الاصطناعي هو الرهان الصحيح، لكن طبيعة المخاطرة تغيّرت. في ٢٠١٦، كانت المخاطرة مالية: هل ترتفع قيمة المحفظة؟ في ٢٠٢٦، المخاطرة تشغيلية: هل يمكن تنفيذ مشروع بنية تحتية ضخم في بيئة صحراوية على جدول زمني ضيق مع مهارات نادرة؟ الأولى تُحكم عليها الأسواق، الثانية يُحكم عليها الهندسة. بحلول منتصف ٢٠٢٧، سنعرف أيهما أصعب.